معركة المدحر 19/7/1961م

مقدمات معركة المدحر
تعد معركة المدحر إحدى المعارك والملاحم الوطنية والبطولية التي خاضها رجال القبائل وخاصة قبائل :
الخامعة وآل الحيق و العصارنة و الحامديين ضد القوات الحكومية للسلطنة القعيطية المدعومة من سلطة الاستعمار البريطاني وكانت هذه المعركة خاتمة الصراعات المواجهات العنيفة التي دارت بين السلطنتين الكثيرية و القعيطية في حضرموت والتي استمرت خلال الستة العقود الأولى من القرن العشرين الميلادي .
خلال هذه المعركة تجلت بشكل واضح المواقف البطولية التي سطرها رجال القبائل وتصديهم في معركة غير متكافئة لجحافل قوات الحكومة الكثيرة العدد والمزودة بالأسلحة الحديثة والعتاد والتدريب العسكري والقتالي اللازم ، برزت فيها وبشكل واضح موقفان ، موقف تقفه رجال القبائل الذين ظلوا متمسكين بموقفهم الرافض لإجراءات الحكومة التي شعروا أنها تهدد كيانهم القبلي ووضعهم الاقتصادي وتميز هذا الموقف بالعفوية والتلقائية ولكنه موقف ثابت أما الموقف الأخر فتقفه السلطة التي أرادت فرض كثير من الإجراءات بالتي هي في الأساس تنسجم مع الاتجاه الموضوعي لقانونية التطور التاريخي ولكن كانت تريد فرض هذه الإجراءات بالقوة وبشكل تعسفي دونما الإعداد والتحضير لمجموع المجتمع لتقبل هذه الإجراءات ، ويؤكد هذا الرأي التقرير التقييمي الذي أعده مساعد المستشار البريطاني لشؤون البادية عن أشكال مواجهة ورفض القبائل لإجراءات الحكومة .
لقد كان التقييم هذا تقييماً سليماً حيث أشار إلى أن الحكومة ( حكومة السلطة القعيطية ) قد ارتكبت خطأ جسمياً عند تطبيقها الإجراءات التي اتخذتها والتي نفرت القبائل منها وقد أورد مساعد المستشار في تقريره أبرز الأخطاء التي حددها بما يلي :
1- عدم قيام الحكومة بعمل دعائي تنويري بين أفراد القبائل يوضح لهم ما تريد أن تقوم به الحكومة وكان الأجدر بها أن تقوم بمثل هذا العمل الدعائي التنويري وأن تستفيد من عدد من أبناء القبائل الذين يعملون بالمؤسسات العسكرية ( خاصة الجيش البدوي الحضرمي ) لمساعدتهم لها في عملية التوضيح .
2- برز التقصير واضح في الدور الذي قام به النواب في الألوية حيث إنهم لم يتمكنوا وعجزوا عن إقامة أي حل بينهم وبين القبائل بالإضافة إلى إهمالهم للكثير من القضايا والمطالب التي تهم القبائل.
وكما قلنا إن معركة المدحر كانت لها المحصلة والنتيجة النهائية للنزاعات والخلافات التي كانت قائمة بين الحكومة والقبائل وقبل أن أتحدث بالتفصيل عن وقائع وأحداث هذه المعركة أود أن أشير إلى بعض المسائل التي ساعدت إلى أن تصل الأوضاع والتناقضات إلى المواجهة المسلحة
الأسباب المباشرة للمعركة :
1- لقد سعت وعملت الحكومة وبمختلف الطرق والوسائل إلى تفتيت وحدة القبائل هذه الوحدة التي عكستها كل اللقاءات التي عقدتها القبائل فيما بينها البين ابتداء من لقاء واجتماع السويرقة الذي انعقد في 14 /1/1951م مروراً بلقاءات شهورة ووادي حويرة وآخرها لقاء شرج حيح الذي انعقد في 4/1/1961م واستخدمت الحكومة لتحقيق هذا الغرض الأساليب المختلفة منها استمالت القبائل ومقادمة القبائل عن طريق الإغراءات إن كان لها جدوى أو عن طريق التهديد أحياناً أخرى إما بشكل مشترك أو بشكل منفرد وقد أدت هذه السياسة إلى تضييق دائرة القبائل المناوئة للحكومة بحيث لم يشترك في معركة المدحر إلا عدد محدود وهي (قبائل الخامعة ، وآل الحيق ، والحامديين ، والعصارنة) مع موقف مؤيد ومساند لهذه القبائل من بعض القبائل الأخرى وهي ( قبيلة الحالكة ، وقبيلة بازار العوبثانية ، بن كردوس ، وبن الجبلي) كل هذه القبائل هي التي تعرضت في حادثة مدحر وما بعدها للتنكيل ووجهة بحقها الضربات العسكرية المؤلمة والمدمرة وتعرض عدد من مقادمة ورجالات هذه القبائل للمحاكمة.
2- بعد الاجتماع المشهود الذي عقد في 1مايو 1961م الذي حضرته عدد من قبائل سيبان من أهمها قبائل الخامعه و المراشدة من جهة والحكومة من جهة أخرى شكل هذا الاجتماع المحاولة والفرصة الأخيرة التي سعت الحكومة من خلالها إلى الوصول لاتفاق عام بين الحكومة والقبائل المناوئة لها وبذل الوفد الحكومي جهوداً كبيرة للوصول إلى مثل هذا الاتفاق أو إلى تفتيت وحدة الصف لهذه القبائل قدر الإمكان.
مناورات الحكومة التفاوضية تنجح :
لقد حدث تحول مهم على إثر الاجتماع هذا في مجرى الصراع الدائر بين الحكومة والقبائل وتمثل هذا التحول في موقف المقدم / سعيد سالم بانهيم المرشدي الذي كان وحتى لحظة هذا الاجتماع زعيماً وقائداً لكل هذه التمردات القبلية ليس على مستوى قبائل سيبان فقط بل شمل نفوذ قبائل نوح والدين و العوابثة وحتى قبائل الحموم وتجلى موقف بانهيم بقوله بالصلح مع الحكومة واعترافه بالمطالب والشروط التي طرحها وفد الحكومة وأبدى التزامه بها ، هنا جرى الفرز وحدث الشرخ العميق الذي هز كيان الموقف القبلي الواحد ضد الحكومة وإجراءاتها .
إن موقف المقدم / سعيد سالم بانهيم هذا يجب أن يفهم ويدرس في إطار المرحلة التاريخية آنذاك وأية محاكمة منصفة يجب أن تكون وفقاً ومعطيات الواقع الموضوعي لتلك المرحلة ، فالمقدم بانهيم كان زعيماً وقائداً لكل التمردات القبلية التي قامت بها قبائل سيبان وغيرها من القبائل الأخرى وكان يشار له بالبنان ونتيجة لدوره هذا تعرض شخصياً للمطاردة والتشريد وحرم من كثير من الحقوق بما فيها منعه من دخول مدينة المكلا وغيرها من مدن حضرموت وتعرض للسجن وفرضت عليه غرامة مالية وكانت قبيلة المراشدة التي ينتمي إليها من أهم القبائل التي ناوأت السلطة وشارك العديد من أبناءها في الأحداث المختلفة ، ووقف مثل هذا الموقف وهو الحصيف المحنك من معرفته التامة بعد أن خبر الزمن وتحولاته وخبرة الزمن أنه ليس باستطاعته بل ليس باستطاعة القبائل أن تستمر في مناوئة ومقارعة سلطة الحكومة لاسيما أن الحكومة مدعومة من قبل بريطانيا وأن الاستمرار في مثل هذه المواجهة في ظل عدم التكافؤ بين الطرفين يعني في الأخير هزيمة الطرف الذي تمثله القبائل في ظل إصرار الحكومة على موقفها وسعيها الجاد على فرض مطالبها وشروطها بالقوة .
3- لقد سبق اجتماع بين الجبال المشار إليه آنفاً استسلام عدد من القبائل المشاركة في المواجهة للحكومة فقد استسلمت إلى ذلك التاريخ قبائل نوح وبعض قبائل سيبان والحموم ودخول هذه القبائل في اتفاق صلح مع الحكومة وحتى انعقاد اجتماع بين الجبال لم يبق في المواجهة إلا بعض قبائل سيبان والعوابثة ومن ثم وبعد أن قل عدد القبائل المناوئة للحكومة يكون باستطاعة الحكومة أن تلجأ إلى أساليب أكثر عنفاً مع هذه القبائل بحيث تضطرها في الأخير إلى الاستسلام وكانت هذه إحدى أهم الأسباب التي جعلت من المقدم بانهيم يقبل بالصلح مع الحكومة .
4- بعد اجتماع بين الجبال المذكور أصدرت الحكومة أوامرها وتعليماتها إلى كل مراكز الشرطة والتي تقضي بإلقاء القبض على أي شخص ينتمي إلى قبيلة الخامعة الأمر الذي جعل أبناء هذه القبيلة يمرون بظروف معيشية وحياتية صعبة وخاصة خلال الفترة الواقعة ما بين مايو1961م وما بعد معركة المدحر .
5- قامت الحكومة بتحديد المنطقة الواقعة من طريق السيارات القبلية وشرقاً وبالتحديد المنطقة التي تقطنها قبيلة الخامعة منطقة محظورة ومنطقة أحداث عسكرية وفرض منع التجول فيها والمنطقة الواقعة غرب طريق السيارات القبلية منطقة مأمونة وبهذا التحديد فيحق للسلطة إلقاء القبض على أي شخص تجده موجوداً في المنطقة المحظورة .
6- أخذ الموقف يتسم بالتوتر والحدة فالسلطة بدأت تشدد حصارها على القبائل تطلب منها الاستسلام والتسليم في موعد أقصاه مساء 18/8/1961م لكن القبائل رفضت ذلك الإنذار وبدأت تصعد من أساليب مواجهتها للحكومة من خلال قيامها بالسطو واعتراض السيارات التي كانت تستخدم وتمر بالطريق وقامت هذه القبائل بالهجوم المسلح على عدد من مراكز الشرطة ففي هذه الفترة الحرجة جداً تم اعتراض سيارتين عسكريتين تابعتين لجيش النظام وكانت هاتان السيارتان متجهتين من مدينة شبام إلى المكلا فتم تجريد الجنود الذين كانوا على متن هاتين من أسلحتهم والذين بلغ عددهم أربعة بالإضافة إلى السواقين و معاونيهم وسمح بعد ذلك للسيارتين بالتحرك إلى المكلا بالجنود وبدون سلاح .
7- عمدت قبيلة الخامعة إلى إعداد نفسها لأية مواجهة عسكرية مع الحكومة وتمثلت عملية الإعداد هذه في شراء الأسلحة والذخائر والمواد الغذائية الضرورية كما قامت بتنسيق المواقف مع فبيلة آل الحيق وقبيلة الحالكة ومع بن كردوس وبن الجبلي (قبيلة بازار العوبثانية) .
8- قبل معركة المدحر بعدة أيام وجه نائب لواء دوعن رسالة لمقادمة الخامعة يطلب فيها منهم الحضور إلى دوعن لإجراء مشاورات حول الأحداث التي أعقبت لقاء بين الجبال وبهدف تسوية الخلافات ونظراً للوضع الصعب والحصار الذي فرض على قبيلة الخامعة استجاب المقادمة لهذا الطلب آملين أن تسوى الأمور بشكل لا يؤدي إلى المواجهة العسكرية وفي الوقت نفسه يحفظ لهم عزتهم وكرامتهم وبالفعل تحرك كلٌ من المقادمة :
(أ) سالم الجويد باسلوم الملقب مليل . (ب) سالم مبارك بارشيد .
(ج) سالمين أحمد باقديم .
ومعهم عدد من أبناء قبيلة الخامعة يقدر بأربعين فرداً متجهين إلى دوعن وكان تحركهم يوم 15/7/1961م وفي مساء هذا اليوم وهو يوم تحركهم من وادي حويرة وصلوا إلى منطقة الهضبة الجبلية اسمها الزرب وهي لا تبعد كثيراً عن منطقة رأس حويرة باتجاه وادي دوعن حطوا فيهل رحالهم للمبيت وفي هذه الأثناء وصل رسول مرسل من غيل الحالكة التي هي إحدى قرى وادي حويرة يبلغهم بأن هناك قات عسكرية متحركة من المكلا ومتجهة إلى وادي حويرة ، ونتيجة لهذه المعلومة عاد القوم في صباح اليوم الثاني إلى غيل الحالكة لدراسة مستجدات الأمور ووضع الترتيبات الأزمة لمواجهة الموقف المستجد .
يتضح مما تقدم أن دعوة نائب لواء دوعن لمقادمة الخامعة كان ضمن خطة رسمتها الحكومة كانت تهدف فيما تهدف إليه استدراج مقادمة قبيلة الخامعة إلى دوعن التي كانت تبعد مسافة تزيد على 150 كيلومتراً عن منطقة غيل الحالكة وحينها تقوم القوات العسكرية بالاستيلاء على المناطق التي تقطنها قبيلة الخامعة في ظل غياب المقادمة وعدد كبير من أبناء القبيلة التي يمكن أن يقاوموا القوات الحكومية ويكون حينها من السهل فرض الأمر الواقع ويتم الإقرار به من المقادمة مع من معهم إلى غيل الحالكة لمواجهة الموقف .
9- رسمت الخطة العسكرية من قبل الحكومة للقوات العسكرية التي تحركت باتجاه وادي حويرة على النحو الآتي :
توزع القوة العسكرية على ثلاثة محاور المحور الأول يتحرك جزء من القوات المسلحة من المكلا باتجاه وادي حويرة ، المحور الثاني يتحرك الجزء الثاني من القوة العسكرية عبر الطريق الشرقية ماراً بحسر العارضة حتى منطقة الشويحطات القريبة جداً من رأس حويرة وهذه المنطقة تقع في الهضبة الجبلية على مشارف غيل الحالكة ووادي حويرة أما المحور الثالث فتتحرك القوة العسكرية المرابطة في الجحي والتي انتقلت إليه من شبام إلى منطقة بين الجبال ومن ثم تتحرك باتجاه وادي حويرة عبر منطقة الصيداع ، من خلال هذه الخطة يمكن للمرء أن يدرك فعلاً الهدف النهائي منها وهو محاصرة قبيلة الخامعة والاستيلاء على مناطقها وإرغامها على التسليم بالرغم من أن عدد من الذين أجرينا حواراً معهم من جانب السلطة أفادوا بأن تحرك هذه القوة كان الهدف منه هو حالة تأمين الأمن و الاستقرار وأن تحرك القوات العسكرية قد جاء وفقاً واتفاقاً مسبقاً تزعم السلطة أنها أبرمته مع القبائل وفي هذا أرى أن حديث السلطة ما هو إلا تسويغ منها لما قامت به .
10- عندما وضعت الحكومة خطتها العسكرية هذه وضعتها بالتنسيق مع المندوب السامي بعدن ووضعت التدابير العسكرية بين كل من نائب قائد السلاح الملكي بعدن ونائب المستشار البريطاني ووزير السلطنة القعيطية بالمكلا وقد رسم كل التفاصيل للعمليات العسكرية بما في ذلك دور سلاح الجو البريطاني الذي قام بالطلعات الجوية العديدة على هذه المنطقة التي تعرضت وغيرها من المناطق في شرج حيح ووادي عدم إلى قصف جوي قامت به طائرات














































